فخر الدين الرازي

230

القضاء والقدر

الحاصلة فينا ، كلها جهالات ، خلقها اللّه فينا ، وجعلها فرية متأكدة في قلوبنا . وتجويز ذلك يفضي إلى الشك في البديهيات ، وكل باطل محال . فهذا مجموع كلام القوم في هذا الباب . واعلم : أن هذه الوجوه - وإن كثرت - إلا أن حاصلها راجع إلى شبهات أربعة : أولها : إن وجود أفعالنا دائر مع حصول قصورنا وإرادتنا ، فوجب أن يكون وقوع هذه الأفعال بها . وثانيها : إن المكنة من الفعل والترك ، أمر وجداني اضطراري ، وكون اللّه تعالى موجدا لأفعال العباد ، يبطل هذا الوجدان . وثالثها : إن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه ، يلزم أن يكون تكليفه جاريا مجرى تكليف العاجز . وذلك قبيح في العقل . ولزم كونه تعالى خالقا لهذه القبائح ، وبشتم نفسه . وكل ذلك قبيح في العقول . ورابعها : إنه لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لزم العجز عن إثبات الإله ، وعن إثبات النبوة ، وعن كون القرآن معجزا . وكل ذلك باطل . فهذا حاصل هذه الوجوه . والجواب عما احتجوا به أولا من وجوه : الأول : إنكم إما أن تدّعوا وجوب حصول الفعل عند حصول الداعي ، وامتناع حصول الفعل عند عدم تلك الدواعي . وإما أن لا تدعوا ذلك . فإن ادعيتم الأول لزمكم الجبر ، لأن حصول تلك الدواعي ليست من العبد . وإلا لزم التسلسل ، بل تكون من اللّه تعالى . وعلى هذا التقدير : إذا خلق اللّه في العبد تلك الدواعي ، وجب حصول ذلك الفعل ، شاء العبد أم أبى . وإذا لم يخلقها فيه امتنع حصول الفعل ، شاء العبد أم أبى . وإذا كان كذلك ، كان تكليف العبد تكليفا بما ليس في وسعه . وأيضا : فلأنه تعالى لما كان هو الفاعل لما يوجب حصول هذه الأفعال القبيحة ، كان أيضا فاعلا لهذه القبائح . لأنه لا فرق بين فعل القبيح ، وبين ما يوجب فعل القبيح ، أو فعل ما يجب عنده القبيح . فأما أن لا تقولوا بوجوب حصول الفعل عند حصول الإرادة ، وامتناع حصوله عند عدم الإرادة . فحينئذ لا يتم لكم هذا الاستدلال . لأنه إذا لم يجب حصول الفعل عند حصول الدواعي ، لم يلزم من عدم حصول الفعل عند توفر الدواعي ، ومن حصوله عند خلوص الصوارف : محال . وحينئذ يفسد هذا الدليل بالكلية . الثاني : أن نقول : لا نسلم أن حصول هذه الأفعال عند توفر الدواعي واجب . وذلك لأنه ليس حصول الأفعال عند حصول الدواعي أظهر من حصول الشبع للحي السليم ، عند